“ Tidaklah aku menginginkan kecuali perbaikan selama aku sanggup. Dan tidak ada taufik bagiku melainkan dengan (pertolongan) Allah. Hanya kepadaNya aku bertawakal dan hanya kepadaNya-lah aku kembali ” QS : Huud : 88

anigif AL ASHR
Klik Gambar untuk Download .pdf
تأليف:
أبي أحمد محمد بن سَلِيم اللِّمبوري الأندونيسي

غفر الله لَهُ ولوالديه وللمؤمنِين

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبد الله روسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.
أما بعد:
فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثه بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

فاعلم رحمك الله أن مَن لم يوفق للإيمان والعمل الصالح فَقَد ضَل ضَلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا، يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. [العصر: 1-3].
ولذلك نحب أن نكتب في هذا البحث تفسير سورة العصر ونذكر فيه أقوال أهل العلم، نسأل الله أن يجعله سببا من أسباب زيادة الإيمان والعمل الصالح، ونسأله أن يجعل من قرأه أو سمعه من الذين آمنوا وعَملوا الصالِحاتِ وتَواصوا بالحق وتَواصَوا بِالصبر، ونسأله أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وصوابا موافقا للحق وأن يجعله مباركا أينما كان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلوات الله وسلامه على نبينا الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 
كتبه الفقير إلى عفو ربه الرحِيم الغفور
أبو أحمد محمد بن سليم اللمبوري الأندونيسي عفا الله عنه
في مسجد السنة بسعوان صنعاء.
تفسير الآية الأولى
قوله: {وَالْعَصْرِ}، أقسم الله تعالى بالعصر الذي هو الزمان الذي يعيشه الخلق، وتختلف أوقاته شدة ورخاء، وحرباً وسلماً، وصحة ومرضاً، وعملاً صالحاً وعملاً سيئاً إلى غير ذلك مما هو معلوم للجميع”. [انظر “تفسير القرآن للعثيمين” (41/1)].
وحرف الواو في أول هذه الآية حرف القسم، وأقسم الله بالعصر الذي هو الزمان لما فيه من عجائب قدرة الله الدالة على عظمته على أن الإنسان لفي خسران ونقصان في كل أحواله، ولا يجوز للعبد أن يقسم بغير الله فإن القسم بغير الله شرك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله فهو مشرك شركا أصغر.
قوله: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، ومعنى الآية الكريمة أن الله أقسم قسماً على حال الإنسان أنه في خسر أي: في خسران ونقصان في كل أحواله، في الدنيا وفي الآخرة إلا من استثنى الله عز وجل. وهذه الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات، الأول: القَسم (الوَاو)، والثاني: (إنّ) والثالث: (اللام)”. [انظر “تفسير القرآن للعثيمين” (41/1)].
تفسير الآية الثانية
قوله: {إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، والخسار مراتب متعددة متفاوتة:
قد يكون خسارا في الآخرة، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الزمر: 15]، وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيم} [الشورى: 45].
وقد يكون خسارًا في الدنيا والآخرة، كحال من صَدّ عَن سبيل الله عز وجل: {أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ} [هود: 21-22].
وقد يكون خسارًا مطلقًا في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 126].
قال السعدي رحمه الله: “وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات:
الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به.
والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة.
والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه.
والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.
فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم. [“تفسير السعدي” (1/934)].
تفسير الآية الثالة
قوله: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، قال أبو العباس حرمين بن سليم الأندونيسي رحمه الله: “ذكر الله تعالى في هذه الآية الإيمانَ مقرونا مع العمل الصالح، وبيّن أهل العلم أن هذه الآية دلالة على أوصاف المفلحين”. 
وقوله: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، قال أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله: “فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولا وعملا. هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عُبَيد وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة”. [“تفسير ابن كثير” (1/165)].
قال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ فَكُلَّمَا فَعَلَ الْعَبْدُ الطَّاعَةَ مَحَبَّةً لِلَّهِ وَخَوْفًا مِنْهُ وَتَرَكَ الْمَعْصِيَةَ حُبًّا لَهُ وَخَوْفًا مِنْهُ قَوِيَ حُبُّهُ لَهُ وَخَوْفُهُ مِنْهُ فَيُزِيلُ مَا فِي الْقَلْبِ مِنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ وَمَخَافَةِ غَيْرِهِ. وَهَكَذَا أَمْرَاضُ الْأَبْدَانِ: فَإِنَّ الصِّحَّةَ تُحْفَظُ بِالْمِثْلِ وَالْمَرَضُ يُدْفَعُ بِالضِّدِّ فَصِحَّةُ الْقَلْبِ بِالْإِيمَانِ تُحْفَظُ بِالْمِثْلِ وَهُوَ مَا يُورِثُ الْقَلْبَ إيمَانًا مِنْ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ فَتِلْكَ أَغْذِيَةٌ لَهُ. [“مجموع الفتاوى” (10/136)].
وقوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، أي الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، {وَتَوَاصَوْابِالْحَقِّ} وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذى ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر. [“تفسير ابن كثير” (8/480)].
وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، فَلَا بُد من التواصي بِالْحَقِّ وَالصَّبْر إِذْ أَن أهل الْفساد وَالْبَاطِل لَا يقوم باطلهم إِلَّا بصبر عَلَيْهِ أَيْضا لَكِن الْمُؤْمِنُونَ يتواصون بِالْحَقِّ وَالصَّبْر وَأُولَئِكَ يتواصون بِالصبرِ على باطلهم كَمَا قَالَ قَائِلهمْ: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6].
فالتواصي بِالْحَقِّ بِدُونِ الصَّبْر كَمَا يَفْعَله الَّذين يَقُولُونَ: {آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَفِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10]، وَالَّذين يعْبدُونَ الله على حرف فَإِن أصَاب أحدهم خير اطْمَأَن بِهِ {وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11].
والتواصي بِالصبرِ بِدُونِ الْحق كَقَوْل الَّذين قَالُوا: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ} [ص: 6]، كِلَاهُمَا مُوجب للخسران وَإِنَّمَا نجا من الخسران {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]، وَهَذَا مَوْجُود فِي كل من خرج عَن هَؤُلَاءِ من أهل الشَّهَوَات الْفَاسِدَة وَأهل الشُّبُهَات الْفَاسِدَة أهل الْفُجُور وَأهل الْبدع. [انظر “جامع الرسائل لابن تيمية” (2/394)].
وهذه السورة لها مسائل، منها:
المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ.  
قال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: “وَحَيْثُ ذُكِرَ الَّذِينَ آمَنُوا فَقَدْ دَخَلَ فِيهِمْ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛ فَإِنَّهُمْ خِيَارُهُمْ قَالَ تَعَالَى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}. وَقَالَ: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ}. [“مجموع الفتاوى” (7/13)]. وَيُذْكَرُ أَيْضًا
لَفْظَ العِلْمِ مَقْرُونًا بِالإيْمَان، قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الروم : 56]. قال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: “وضد الإيمان إما الكفر الظاهر أو النفاق الباطن ونقيض العلم عدمه”. [“اقتضاء الصراط” (1/146)].
وقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة : 11]، فمن كان عالما بما أمر الله به وما نهاه عنه، عاملا بموجب ذلك كان من المؤمنين، قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا . قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء: 106-107].
وقال تعالى: {وَلِيَعْلَمَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 54].
الْمَسألةُ الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِالعِلْمِ.
قال أبو العباسأحمد الحراني رحمه الله: “وأما العمل بالعلم وهو جلب ما ينفع الإنسان ودفع مايضره بالنظر في العواقب فهذا هو الأغلب على مسمى العقل في كلام السلف والأئمة كالآثار المروية في فضائل العقل”. [“درء تعارض العقل والنقل” (9/22)].
قال الله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْإِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ . وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 109-110].
قال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: “والمقصود هنا أن ترك ما يجب من العمل بالعلم الذي هو مقتضى التصديق والعلم قد يفضي إلى سلب التصديق والعلم كما قيل: “العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل”، وكما قيل: “كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به فما في القلب من التصديق بما جاء به الرسول إذا لم يتبعه موجبه ومقتضاه من العمل قد يزول إذ وجود العلة يقتضي وجود المعلول وعدم المعلول يقتضي عدم العلة”. [“العقيدة الأصفهانية” (1/180)].
وقال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: “وَأَمَّا الْعِلْمُ النَّافِعُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ وَيَسْعَدُ بِهِ الْعِبَادُ فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِاتِّبَاعِ الْكُتُبِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ قَالَ تَعَالَى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى . وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ} إلَخْ. وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْهُدَى وَالْإِيمَانَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ طَرِيقِ الْعِلْمِ مَعَ عَدَمِ الْعَمَلِ بِهِ أَوْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ بِدُونِ الْعِلْمِ فَقَدْ ضَلَّ، وَأَضَلُّ مِنْهُمَا مَنْ سَلَكَ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ طَرِيقَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالْكَلَامِ بِدُونِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا الْعَمَلِ بِمُوجِبِ الْعِلْمِ أَوْ سَلَكَ فِي الْعَمَلِ وَالزُّهْدِ طَرِيقَ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ وَالتَّصَوُّفِ بِدُونِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا اعْتِبَارِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ؛ فَأَعْرَضَ هَؤُلَاءِ عَنْ الْعِلْمِ وَالشَّرْعِ وَأَعْرَضَ أُولَئِكَ عَنْ الْعَمَلِ وَالشَّرْعِ فَضَلَّ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَتَبَايَنُوا تَبَايُنًا عَظِيمًا حَتَّى أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ وَأَشْبَهَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الضَّالِّينَ؛ بَلْ صَارَ مِنْهُمَا مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَالْقَرَامِطَةِ والاتحادية وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْفَلَاسِفَةِ. [“مجموع الفتاوى” (13/247-248)].
وقال رحمه الله: “ولما كان العمل لا بد فيه من شيئين: النية والحركة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أصدق الأسماء حارث وهمام». فكل أحد حارث وهمام له عمل ونية، لكن النية المحمودة التي يتقبلها الله ويثيب عليها: أن يراد الله بذلك العمل. والعمل المحمود: الصالح، وهو المأمور به، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: “اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً”. وإذا كان هذا حد كل علم صالح، فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه، ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وكما في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه: “العلم إمام العمل والعمل تابعه”. وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام، فلابد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما. [“الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” (1/14-15)].
المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَى العِلْمِ وَالعَملِ بهِ.
قال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: فالدعوة والعبادة اسم جامع لغاية الحب لله وغاية الذل له فمن ذل له من غير حب لم يكن عابدا بل يكون هو المحبوب المطلق فلا يحب”. [“كتب ورسائل وفتاواه” (20/6)].
وقال رحمه الله: ومن المحبة الدعوة إلى الله وهي الدعوة إلى الإيمان به وبما جاءت به رسله بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم بما أمروا به فالدعوة إليه من الدعوة إلى الله تعالى وما أبغضه الله ورسوله فمن الدعوة إلى الله النهي عنه ومن الدعوة إلى الله أن يفعل العبد ما أحبه الله ورسوله ويترك ما أبغضه الله ورسوله من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة بما أخبر به الرسول من أسماء الله وصفاته ومن سائر المخلوقات كالعرش والكرسي والملائكة والأنبياء وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول وهم أمته وقد وصفهم الله بذلك كقوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي} إلى قوله {المفلحون}، فهذه فى حقه وفى حقهم قوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية، وقوله: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} الآية.
وقال رحمه الله: وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة وهو فرض كفاية يسقط عن البعض بالبعض كقوله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} الآية. فجميع الأمة تقوم مقامه فى الدعوة فبهذا إجماعهم حجة وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله فاذا تقرر هذا. [“كتب ورسائل وفتاواه” (20/6-7)].
المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى عِندَ طَلبِ العِلمِ وَالعملِ بِه وَالدعوةِ إليهِ.
قال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28].
وقال تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17].
قال السعدي رحمه الله: والمقصود من هذا، الحث على مراقبة اللّه، والعمل بطاعته، مهما أمكن، والترهيب من عمل القبيح، قَلَّ أو كَثُرَ، {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} حثه عليها، وخصها لأنها أكبر العبادات البدنية، {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وذلك يستلزم العلم بالمعروف ليأمر به، والعلم بالمنكر لينهى عنه.
والأمر بما لا يتم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا به، من الرفق، والصبر، وقد صرح به في قوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} ومن كونه فاعلا لما يأمر به، كافًّا لما ينهى عنه، فتضمن هذا، تكميل نفسه بفعل الخير وترك الشر، وتكميل غيره بذلك، بأمره ونهيه.
ولما علم أنه لا بد أن يبتلى إذا أمر ونهى وأن في الأمر والنهي مشقة على النفوس، أمره بالصبر على ذلك فقال: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ} الذي وعظ به لقمان ابنه {مِنْ عَزْمِ الأمُورِ} أي: من الأمور التي يعزم عليها، ويهتم بها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم. [“تفسير السعدي” (1/648)].
المسألة الخامسة: التدبر والتفكر في سورة العصر.
قال أبو العباس أحمد الحراني رحمه الله: وروى عن الشافعى رضى الله عنه، أنه قال: “لو فكر الناس كلهم فى سورة {والعصر} لكفتهم”، وهو كما قال، فإن الله تعالى أخبر أن جميع الناس خاسرون إلا من كان فى نفسه مؤمنا صالحا ومع غيره موصيا بالحق موصيا بالصبر وإذا عظمت المحنة كان ذلك للمؤمن الصالح سببا لعلو الدرجة وعظيم الأجر كما سئل النبى أى الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان فى دينه صلابة زيد فى بلائه وإن كان فى دينه رقة خفف عنه ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشى على وجه الأرض وليس عليه خطيئة»، وحينئذ فيحتاج من الصبر
ما لا يحتاج إليه غيره وذلك هو سبب الإمامة فى الدين كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون}، فلابد من الصبر على فعل الحسن المأمور به وترك السئ المحظور، ويدخل فى ذلك الصبر على الأذى وعلى ما يقال والصبر على ما يصيبهمن المكاره والصبر عن البطر عند النعم وغير ذلك من أنواع الصبر ولا يمكن العبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن به ويتنعم به ويغتذى به وهو اليقين كما فى الحديث الذى رواه أبو بكر الصديق رضى الله عنه عن النبى أنه قال:
«يا أيها الناس سلوا الله اليقين والعافية فإنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرا من العافية فسلوهما الله». [“كتب ورسائل وفتاواه” (28/152-153)].
وقال ابن القيم رحمه الله: “فأقسم سبحانه وتعالى بالدهر الذي هو زمن الأعمال الرابحة والخاسرة على أن كل واحد في خسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان بالله وقوته العملية بالعمل بطاعته فهذا كماله في نفسه ثم كمل غيره بوصيته له بذلك وأمره إياه به وبملاك ذلك وهو الصبر فكمل نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وكمل غيره بتعليمه إياه ذلك ووصيته له بالصبر عليه ولهذا قال الشافعي رحمه الله: “لو فكر الناس في سورة: {والعصر} لكفتهم”. [“إغاثة اللهفان” (1/25)].
وقال رحمه الله: “وهذا المعنى في القرآن في مواضع كثيرة: يخبر سبحانه أن أهل السعادة هم الذين عرفوا الحق واتبعوه وأن أهل الشقاوة هم الذين جهلوا الحق وضلوا عنه أو علموه وخالفوه واتبعوا غيره”. [“إغاثة اللهفان” (1/25)].
وقال رحمه الله: “ومن ذلك أقسامه بالعصر على حال الإنسان في الآخرة هذه السورة على غاية اختصارها لها شأن عظيم حتى قال الشافعي رحمه الله: “لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم”. [التبيان في أقسام القرآن” (1/54)].
وقال رحمه الله: “فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمل نفسه بالإيمان والعمل الصالح وكمل غيره بوصيته له بهما ولهذا قال الشافعي رحمه الله: “لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم”، ولا يكون من أتباع الرسول على الحقيقة إلا من دعا إلى الله على بصيرة قال الله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} فقوله: {أدعو إلى الله} تفسير لسبيله التي هو عليها فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله فمن لم يدع إلى الله فليس على سبيله”. [“رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه” (1/21)].
وقال رحمه الله: “قال الشافعي رضى الله عنه: “لو فكر الناس كلهم في هذه السورة لكفتهم”، وبيان ذلك أن المراتب أربعة وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله:
أحداها: معرفة الحق.
الثانية: عمله به.
الثالثة: تعليمه من لا يحسنه.

الرابعة: صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة، وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى، وتواصوا بالحق وصى به بعضهم بعضا تعليما وإرشادا فهذه مرتبة ثالثة، وتواصوا بالصبر صبروا على الحق ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات فهذه مرتبة رابعة، وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملا في نفسه مكملا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القوة العلمية بالإيمان وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات وتكميله غيره بتعليمه إياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل فهذه السورة على اختصارها هي من اجمع سور القرآن للخير بحذافيره والحمد لله الذي جعل كتابه كافيا عن كل ما سواه شافيا من كل داء هاديا إلى كل خير”. [“مفتاح دار السعادة” (1/56-57)].

Comments on: "Tafsir Surat AL-ASHR – تفسير سورة العصر" (2)

  1. ummu abdillah said:

    Afwan, bolehkan minta tulisan ini (tafsir al ashr) dan nashehat untuk perempuan sholihah dalam bahasa indonesia…??
    Jazaakumullaahu khoiron

    Suka

    • Kami telah mengusulkan kepada penulis agar menerjemahkan tulisan-tulisannya kedalam bahasa Indonesia. InsyaAllah lebih banyak manfaatnya khususnya untuk kaum muslimin diIndonesia. Untuk sementara mungkin bisa dibantu dengan menggunakan google translate. Apalagi yang ana tahu, InsyaAllah Ummu Abdillah Karin telah memiliki pemafaham kaedah-kaedah dasar bahasa Arab, Jika kita berusaha InsyaAllah dimudahkan dan difahamkan.aamiin.
      Untuk nasehat wanita sholehah Alhamdulillah telah kami terbitkan dalam bahasa Indonesia. Dan MasyaAllah admin melihat muslim dan muslimah Indonesia sangat antusias untuk mengetahui persoalan ini. Barakallahufiik. Bisa dibaca di https://ashhabulhadits.wordpress.com/2013/03/16/nasihat-untuk-wanita-sholihah/

      Suka

Tinggalkan Balasan Ash Habul Hadits

Isikan data di bawah atau klik salah satu ikon untuk log in:

Logo WordPress.com

You are commenting using your WordPress.com account. Logout / Ubah )

Gambar Twitter

You are commenting using your Twitter account. Logout / Ubah )

Foto Facebook

You are commenting using your Facebook account. Logout / Ubah )

Foto Google+

You are commenting using your Google+ account. Logout / Ubah )

Connecting to %s

%d blogger menyukai ini: